ياسمين يذبل …

صورة من الحي
منطقتي -الصالحية الشركسية – منطقة دمشقية عريقية قديمة، بين العفيف والشيخ محي الدين وزين العابدين، وما قد يخيل للذهن صحيح، البيوت متعانقة، الياسمين شاهد على حكايات دمشقية، والحمام  الذي يأتي من كل صوب ليستقر هنا، والقطط الملونة تنتظر كل صباح ما قد خبأه الله من رزق عند لحامي المنطقة، تختبأ واحدة هنا، وتقفز من شباك عتيق أخرى، وتلتقط سائحة صورة لواحدة  تخرج من بيتها الدمشقي، والممرات الضيقة المتعرجة  تشبه عقول ساكنيها، أما الجهل  فهو ما قد انتشر بكثرة، البيوت من اللبن، وكل بيت يحكي قصة معاناة لإحدى الفتيات مع التعليم والعمل ومحاربتها لعادات قد آكلها الزمن.

أذكرمن صديقاتي في الإعدادية راما،  كانت قد رسبت في الصف السابع وأعادته معي، العداوة تقدح من عينيها ولم أعلم السبب، بمرور الوقت تعرفنا أكثر وأكثر، فأنا لم أتوان عن مساعدة أحد طلب مني المساعدة، وتوثقت علاقتي بها، حدثتني عن أهلها، كانوا يريدون أن ” يبطلوها “، فأحد أقاربها دائماً ما يقول لوالدتها “وشو رح يطلع معها يعني ؟!!!” ارتسمت دموع حيرة و حزن، بدأتُ في رفع معنوياتها المنهارة وحاولت إفهامها أن نجاحها هو دليل إفلاسهم وخطأ قولهم، ثم رسمت في مخيلتها ما يجب أن تفعله  وتقوله، أما عن السبب  فالجهل.  كم فرحتُ عندما نجحت في التاسع وقررت أن تكمل دراستها، وكم كانت فرحتي أكبر عندما نجحت في الباكلوريا في محاولتها الثانية، حققت ما لم يستطع أحد في عائلتها فعله.

وأما عائشة تلك الفتاة الطويلة الشاحبة، فكل طموحها كان النجاح في التاسع، انبهر والدها بعلاماتها العالية وحصولها على مرتبة في المدرسة فسمح لها بإكمال تعليمها فهو مُنع من متابعة تعليمه. عندما قدمتِ الباكلوريا بعد وفاة والدها الذي توفي شهر الفحص قالت لي: “جمعت بس 134 “، وبقلب منكسر حزين، وأنا أعلم أنها لم تدرس كلمة.
أنا: ” حققتِ ما عجز عنه كثير من الناس، معهد و لغة وICDL  وتتوظفين “.
هي: “عنجد ؟”
تشجعت كثيراً ولمعت من جديد عيناها.
“إذاً سأطلب من أخي أن يشتري لي حاسباً وستعلميني استخدامه صحيح ؟”
نعم ! صديقتي لا تعرف عن الحاسوب سوى اسمه كحال أغلب فتيات منطقتي ومنهن لا يعرفن شكله ووعدتها …
بيان
،
تلك السمراء المُجِدَّة ، زَوُّجوها عندما كانت في الصف العاشر وتطلقت بعد سنة أو اثنتين، تحمل طفلة جميلة عندما رأيتها منذ يومين، أخبرتني أنها على وشك الزواج مرة أخرى، لكنني ومن خلال حديثي معها بدأت أزرع في رأسها فكرة العودة إلى الدراسة على الأقل لتفخر بها ابنتها عندما تكبر.

وعن أخرى  ما زلت أذكرها تماما وحديثها كلما ألتقيتها، عرفتها في الصف الخامس، آلاء صديقتي الطيوبة الطبوشة ، ذات الملامح البريئة، علاماتها منخفضة  دائما ً،  لا أذكر تماماً كيف جمعتُ بعض الرفاق وبدأت أدرسهم الانكليزية وكانت من بينهم هي، بذلت كثيراً من الجهد لتعليمها واستطاعت النجاح “بالزوووور”، ووصلت إلى الصف السابع واستمريت بتدريسها بالباحة، وحصص الفراغ، لكنها  قررت ترك المدرسة وودعتني بقلب يحترق : “لا تعبي حالك، أنا ما عندي أساس، عم تعبي حالك عل فاضي “. كلما التقيتها في الطريق تقول لي” شو ما صار لا تبطلي ارفعي راسنا إنك من حارتنا … “.

هذه الياسمينات البيضاء الرقيقة تذبل في منطقتي بسبب الجهل، أتألم في كل يوم صباحاً في طريقي  إلى الجامعة، فقلة اللاتي يخرجن الى مدارسهن الثانوية، أشعر بهالة تصرخ بالتحرير من هذه العادات البالية التي خلفها وجود الاستعمار، ألم يحن الوقت لوضع كل تلك القيود جانباً والبدء بالحياة؟!

لميس الموصللي 13/9/2012jasmine_cover_1

Advertisements

4 thoughts on “ياسمين يذبل …

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s