وريقات من تاريخنا الأصفر

وريقات صفراء

ارتدت أجمل ما عندها من ثياب، وذهبت في ذاك الصباح كعادتها، مشوارها اليومي، إلى الجامعة، تتمشى أميرة بين ممرات الجامعة ، من خلفها ينادي أحدهم: “أبا فلان “، هو الاسم الذي اختارته لابنهما، لم تتمالك نفسها فضحكت ضحكة صفراء وأسرت كل شيء في نفسها فهي متأكدة أنها لن تكون “أم فلان”. الدكتور يشرح فكرة ما كان لها علاقة بشيء من مقرر سابق، تذكرت أنهما في تلك المحاضرة بالذات جلسا معاً يضحكان، وقد انتبه الدكتور وتلقيا ما يستحقان من التأنيب، لتصحو على فكرة جديدة بدأها الدكتور في المادة الجديدة، فتركت أحلامها وأكملت التركيز في الدرس.

تعود إلى البيت، طريق عودتها متعب جداً فالحواجز التي امتلأت بشوارع دمشق تخلق ازدحاماً شديداً، كانت تصل إلى البيت في أوقات الذروة بعد نصف ساعة، ومع ذلك هي لم تألف العودة لوحدها فقد كان دائماً يوصلها إلى منزلها.

يضع صورة على الفيس بوك كغلاف لصفحته الشخصية، إحدى تلك الصور التي أهداها إياها ليهديها لفتاة أخرى، هو لم يعد يحاول البحث عن صور جديدة لحبيبته الجديدة، بل يستخدم الصور نفسها، لأنه لم ينسها، هو مازال يحبها وهي تدرك ذلك، يحاول عبثاً محي صورتها من خيالاته، من صفحاته، من  كل شيء، ولكن عبثاً عبثاً. قرر في النهاية إرسال تحياته وندمانه، فهو يعلم أنه ظلمها كثيراً بقراراته الطائشة، لم تفكر البتة بالموضوع، بالنسبة لها كان مجرد عثرة صغيرة أزالتها من طريق الذاكرة ليدخل طي النسيان، أما تلك الذكريات فهي مجرد ذكريات بريئة تضحك عليها، فهي لم تنس يوماً ولن تنسى تصرفاته العوجاء، وآخرها سبب انفصالهما.

إحدى المواد في هذه السنة ما يسمى ببحوث العمليات، يسميها البعض مادة المعدل، وهي من وجهة نظرها المادة الأكثر لؤماً في الكون. لقد حدثها عنها أحد أصدقائها على الفيس بوك كم أنها مادة رائعة ومهمة، وقد أحبت المادة من خلال كلامه الملفت وتحليله للمادة، ولكن المادة الآن بالنسبة لها هي هذا الصديق الذي اختفى ولا تدري إن كان سيعود أم لا، شاب بعمر الياسمين لم تلتقيه أبداً ولم تحدثه سوى مرة واحدة عن الحياة العملية كونه مشارك بها، ولكنها لم تستطع كتمان حزنها عندما علمت باختفائه.

في ساعة ملل ومشاهدة للتلفاز تظهر أغنية لإليسا “تعبت منك”، تفكر في هذه الأغنية التي لم يلفت نظرها فيها أثوابها ولامكياجها ولا حتى تسريحات شعرها أو ذاك الشاب الذي معها، بل ما لفت نظرها هو قصة الأغنية، فتاة ناجحة مع شاب أقل نجاحاً والمشاكل الناتجة عن ذلك، لا يمكن لها أن تخفي خوفها من المستقبل في ظل مجتمع يتهكم من نجاح المرأة في أي مجال، فغالباً الناس تخاف المرأة الناجحة، للأسف أصبحت تخاف من أولئك الذين يقتربون منها، تخاف أن يكون قربهم مصلحة وعندما تنتهي تتألم وبذلك ستخسراً جزءاً من قلبها مع كل شخص يغادر لأن لكل منهم مكانته في القلب الذي يتألم للفراق.

في قاعة الفحص كانت تنظر للطلاب الموجودين فيها، هي لا تعرف سوى بضعة أشخاص والبنيتين الوحيدتين في فئتها فرح وفاطمة ولكن من آلاف الطلاب لا تدري من هم الذين حولها، فقد كانت لا تهتم فحولها لين ومايكل وقبلهما فتاة بعمر الياسمين، أما عنها فقد خانتها الظروف، وشاء القدر أن تترك منزلها ويستشهد والدها وتترك الدراسة لمدة سنة لتتخلف عن الدفعة. تفكر كثيراً في الفصل الثاني كيف سيكون من دون شريكها في المخبر، القلق يغزو حياتها من بعيد وقريب.

الاندومي هي تلك الطبخة السريعة التي يحبها الجميع، كانا يتشاركان حبهما للأندومي والبطاطا المقلية، كل ما هو سريع يتشاركان في حبه، حتى أتى 18/2 لينهي كل ما أحبته، قبل ذلك مر كما يسميه البعض بعيد الحب، أرادت وردة حمراء منه، فأرسل لها باقة جميلة مصممة بإبداع على شكل قلب… قد يكون انتهى كل شيء، ولكن لن تستطيع نسيان نصائحه وكلامه وحتى همساته وتخبطه … وعدت نفسها كما وعدته أن تنساه … ولكن يبدو أنه أجمل وعد يمكن للمرء أن ينكثه … أليس هذا ما غنته ماجدة الرومي بشعر نزار ؟

هي وريقات صغيرة مرّ عليها الزمن، لتتساقط معها قصص جميلة وأخرى مؤلمة، ولكن كما يمر الخريف يأتي الربيع في موسم أخضر فتبدل أشجارنا حللها الصفراء ويحل الاخضر مكان كل ذكرى، ربما تموت أميرة البجع في نهاية رقصة البالة الشهيرة “بحيرة البجع”، إذ تختار أن تقتل نفسها بعد أن اختار غيرها، ولكن هنا الحياة، ولأن لدينا ثقة بالله جميلة، فنحن نعلم أن النهاية ستكون جميلة، فنحن نستحق الأفضل.

Advertisements

8 thoughts on “وريقات من تاريخنا الأصفر

  1. لميس يسلمم هالأنامل الحلوة و الكتابة الأحلى و الأسلوب الرووووعة 🙂 بتعرفيني بحكي الصراحة بدون مجاملة … حبيت كتير أسلوبك ببساطتو وسلاستو ..ما حسيت حالي مجرد أني عم اقرا ..حسيت بمشاهد ئدام مخيلتي .. أو أنك عم تحكيلي القصص بلسانك ..و هاد بيبشر على نجاحك بإيصال أفكارك بسهولة و هاد شي كتير مهم بالكتابة ..و خاصة إذا كان في هدف و رسالة من النص يلي عم نقراه ..و هاد كمان شي مميز أنك طرحتي مواضيع و رسالات عديدة و بمرور رشيق و خفيف لمست عقلنا ووصلتي اللي بدك يا …و حبيت كتير الواقعية يلي بكتابتك …. بتمنالك التوفيق صديقتي لميس .و كتير متحمسة اقرالك كتابات تانية 😉 :-*

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s